كومو يكتب التاريخ بحبر لايبزيغ: ليلة الحلم الذي لم يعد بعيدًا
دوري أبطال أوروبا 2026-2027 | الجولة الأولى | ملعب جوزيبي سينيغاليا، كومو
كومو 4 – 1 لايبزيغ
بقلم: د. طلال عثمان، المدير العام — GC
لم يكن المشهد على ضفاف بحيرة كومو مجرد نتيجة تُضاف إلى سجل مباراة عابرة، بل كان احتفالًا بميلاد قصة كانت إلى وقت قريب أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الرياضي. فريق كان يتصارع قبل أعوام قليلة في أقبية الدرجات الدنيا للكرة الإيطالية، ويواجه شبح الإفلاس أكثر مما يواجه الخصوم، وقف الليلة في مواجهة أول ظهور له على مسرح دوري أبطال أوروبا، ليقدّم واحدًا من أكثر عروض الافتتاح إبهارًا في المسابقة هذا الموسم، متجاوزًا لايبزيغ الألماني برباعية نظيفة قابلها هدف وحيد لا يغيّر شيئًا من حقيقة الليلة: هذه كانت أمسية كومو، من أولها إلى آخرها.
حين يتحول الحلم إلى خطة لعب
الفضل في هذا التحول لا يُختصر في جملة، لكن اسمًا واحدًا يتصدّره بلا منازع: سيسك فابريغاس. المدرب الإسباني الذي حمل عقلية لاعب توّج بكل ما يمكن تتويجه، حوّلها إلى فلسفة تدريبية جريئة، أعادت بناء كومو من فريق يبحث عن البقاء إلى فريق يفرض هويته على الملعب. فابريغاس، الذي يخوض بهذه المباراة أولى مبارياته الأوروبية كمدرب، لم يكتفِ الليلة بالوصول إلى القارة العجوز، بل قدّم درسًا تكتيكيًا في كيفية مواجهتها.
منذ الدقيقة الأولى، بدا واضحًا أن كومو لم ينزل إلى الملعب ليتعلم، بل ليعلّم. ضغط عالٍ، انتقال سريع من الدفاع إلى الهجوم، وثقة لا تشبه إطلاقًا ثقة فريق يخوض غماره القارية الأولى. وحين تُرجمت هذه الجرأة إلى هدف مبكر في الدقيقة 15 عبر مارتن باتورينا، الذي تابع كرة مرتدة داخل منطقة الجزاء بهدوء لاعب لا يشعر بثقل المناسبة، كانت الرسالة قد وصلت: هذه ليست ليلة مجاملات.
نيكو باث.. العقل الذي يدير الإيقاع
إن كان باتورينا هو من افتتح باب الهدف، فإن نيكو باث كان من أدار مفاتيح المباراة بأكملها. صانع الألعاب الأرجنتيني، الذي تحوّل في فترة قصيرة إلى أحد أكثر الأسماء إثارة في الكالتشيو، وقّع على تمريرتين حاسمتين غيّرتا مسار اللقاء. الأولى قادت أسانيه دياو إلى الهدف الثالث في الدقيقة 54 بعد ركضة سريعة خلف خط دفاع لايبزيغ وتسديدة قوية لم تترك لحارس المرمى أي فرصة، والثانية أنهت بها المباراة عمليًا في الدقيقة الأخيرة حين قدّم كرة لماكسيمو بيرونيه ليختتم بها هجمة مرتدة سريعة ويسجل الهدف الرابع في الدقيقة 90.
بين هذين الهدفين، كان تاسوس دوفيكاس قد ضاعف تقدّم أصحاب الأرض في الدقيقة 38، مستفيدًا من تمريرة عمقية من باتورينا نفسه ليضع الكرة في الزاوية البعيدة بتسديدة تحمل توقيع مهاجم يعرف طريقه إلى المرمى.
لايبزيغ.. عودة أوروبية بدأت بصفعة
على الجانب الآخر، كانت الليلة قاسية على نادي آر بي لايبزيغ، العائد إلى المسابقة القارية بعد غياب موسم كامل. الفريق الألماني حاول فرض نفسه في البداية عبر محاولات أنطونيو نوسا التي تصدى لها الحارس جان بوتيز، ومحاولة رأسية مرت بجانب المرمى لأندريا ماكسيموفيتش، لكن هذه اللحظات ظلت ومضات عابرة في ليلة طغى عليها الطابع الإيطالي بامتياز.
هدف الشرف الذي سجله ماكسيموفيتش في الدقيقة 58 بتسديدة منحنية جميلة من حافة منطقة الجزاء، بعد تمريرة من كريستوفر نكونكو، منح لايبزيغ بعض ماء الوجه، لكنه لم يغيّر شيئًا في موازين مباراة كان كومو يسيطر على مفاصلها الأساسية. فريق يوليان ناغلسمان السابق يجد نفسه اليوم أمام اختبار مبكر لإعادة ترتيب الأوراق، مع مواجهة قادمة أمام PSV آيندهوفن في أكتوبر تحمل طابع "لا مجال لخطأ آخر".
كومو الذي وُلد من رماد الدرجة الرابعة
الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة. فالنادي الذي أنهى الموسم الماضي رابعًا في الدوري الإيطالي ليضمن بطاقة العبور القارية، هو نفسه الذي كان قبل سنوات قليلة يتخبط في دوري الدرجة الرابعة الإيطالية (الدوري دي)، مثقلًا بأزمات مالية كادت تعصف بوجوده. التحول الذي عاشه كومو، بدعم استثماري طموح ورؤية إدارية بعيدة المدى، جعل منه اليوم نموذجًا يُستشهد به عن كيفية إعادة بناء هوية نادٍ من الصفر.
الفوز الليلة إذن ليس مجرد ثلاث نقاط في بداية مشوار أوروبي، بل هو إعلان مدوٍ بأن كومو لم يأتِ إلى دوري الأبطال ليكمل العدد، بل ليقول كلمته. وإن كانت هذه هي الجولة الأولى، فإن الرسالة التي بعث بها فريق فابريغاس على ضفاف البحيرة الإيطالية الساحرة تحمل تحذيرًا واضحًا لبقية المنافسين: الحكاية بدأت للتو
ملخص الأهداف:
- 15' مارتن باتورينا (كومو) 1-0
- 38' تاسوس دوفيكاس (كومو) 2-0
- 54' أسانيه دياو (كومو) 3-0
- 58' أندريا ماكسيموفيتش (لايبزيغ) 3-1
- 90' ماكسيمو بيرونيه (كومو) 4-1
الملعب: جوزيبي سينيغاليا، كومو المدرب الفائز: سيسك فابريغاس
د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport